الثلاثاء, 12 ديسمبر, 2017
الرئيسية / صحة وحياة / السعادة لا تعني غياب المشاعر السلبية

السعادة لا تعني غياب المشاعر السلبية

يشعر العديد منّا بأن السعادة هي كالسراب الذي لا يستطيعون اللحاق به. فهي أحياناً تشبه الضباب الذي تستطيع رؤيته من بعيد كثيفاً وممتلئاً. ولكن عندما تقترب منه، تجد بأن ذرّاته تختفي وتتسرّب فجأة من بين يدك، رغم أنها تحيط بك من كل جانب.

نحاول نحن معشر البشر في حياتنا أن نركّز كثيراً على السعي وراء السعادة، ولكن إذا توقّفت قليلاً وفكّرت في الأمر، تكتشف بأنّ السعي وراء الشيء يعني مطاردته دون وجود أي ضمانة أبداً باللحاق به أو الحصول عليه.

حتّى ما قبل ستّ سنوات مضت تقريباً، كنت أسعى جاهدة ودون جدوى إلى مطاردة السعادة. فقد كنت أعيش أنا وزوجي جيم في سان خوزيه في كاليفورنيا، مع ابننا البالغ من العمر سنتين، بينما كان ابننا الثاني لا يزال جنيناً في بطني. فعلى الورق، يمكن القول بأنّ حياتنا كانت وردية في كلّ جوانبها. ومع ذلك، لم أكن أجد نفسي في حالة من المتعة. ولطالما كنت أشعر بالذنب تجاه حالة الحزن التي كانت مخيّمة عليّ. والمُحرج في الأمر هو أن مشاكلي كانت “من النوع الذي لا يصيب إلا المترفين في دول العالم المتقدّمة”.

ولكن فجأة في شهر سبتمبر/ أيلول من العام 2009، انقلب عالمي رأساً على عقب. فقد وقع زوجي جيم صريع المرض الشديد، حيث شخّص الأطباء وجود أنفلونزا الخنازير وفيروس غرب النيل لديه، ثمّ متلازمة غيلان باريه (GBS) (وهي التهاب الأعصاب الحاد المزيل للنخاعين)، بسبب ضعف جهاز مناعته.

لم يكن جيم يخشى الموت أبداً، لكنّني أنا من كنت يخشى أن يصيبه مكروه.

عندما قيل لنا بأنّ حالة جيم المرضية كانت في تحسّن، وبأنّه بدأ يقهر المرض وينتصر عليه، شعرنا بشيء من الارتياح. وعندما أُخبِرَنا بأنّ جيم قد لا يتمكّن من المشي إلا بعد فترة من الزمن، ربما لعام أو أكثر، شعرنا بالقلق. فقد علمنا بأنّ هذا التشخيص كان يعني نهاية حياة جيم المهنية كلاعب محترف للبيسبول. لكنّ الشيء الذي لم يكن لدينا جواب عليه هو كيف سنسدّد الفواتير الطبية، أو مدى قدرة جيم على المساعدة في تربية الأطفال.

في ذلك الوقت، لم يكن قد تبقّى على ولادتي لطفلنا الثاني سوى 10 أسابيع. وبالتالي، لم يكن لديّ الكثير من الوقت لأفكّر في الأمر وأتدبّره. أمّا جيم، من جهته، فلم يكن يملك شيئاً سوى الوقت، حيث كان معتاداً في السابق على التحرّك بسرعات عالية، سواء في الحياة أو في الملعب. لذلك فإنّ الدقائق التي قضاها في المستشفى كانت تمرّ عليه وكأنّها ساعات طوال. لقد كانت تمارين المعالجة الفيزيائية والرياضية تملأ عليه وقته، لكنّه كان بحاجة أيضاً إلى الدعم النفسي.

لقد كان جيم يضع المنشورات على صفحاته على شبكات التواصل الاجتماعي طالباً من أصدقائه أن يقترحوا عليه كتباً معيّنة ليقرأها بحيث يمكن أن تساعده في التعافي نفسياً. وتدفّقت عليه الاقتراحات. كما وصلت إلى سريره حتّى الكتب الورقية وأشرطة الكتب الصوتية المسجّلة مرفقة ببطاقات تخبره “كم هي مفيدة” هذه الكتب، وخاصّة أن الكثير ممّن أرسلوها كانوا قد استفادوا منها في التغلّب على المصاعب التي واجهوها في حياتهم.

كان جيم يقضي أيامه الطويلة في قراءة الكتب المحفّزة التي تشحذ المعنويات من تأليف طوني روبينز أو أوبرا وينفري، أو مشاهدة الخطابات المُلهمة على الانترنت (TED talks)، مثل خطاب جيل بولتي تايلور حول تأثير سرطان الدماغ على حياته. كما كان يحلل الكتب التي ألفها أشخاص روحانيون مثل ديبكا تشوبرا والدلاي لاما. وكان يقضي الوقت أيضاً في مراجعة الأوراق البحثية العلمية حول السعادة والشعور بالامتنان من تأليف باحثين مثل مارتن سيليغمان، وشون آكور، وسونيا ليبومرسكي، وغيرهم الكثير.

من بين المواضيع التي تكرّر ورودها في كلّ هذه الأدبيات “الامتنان”، والذي كان يظهر مراراً وتكراراً في الأوراق العلمية، والقصص الحقيقية، وفي العوامل المحفّزة على النجاح. وقد تجاوب جيم مع هذا الأمر من خلال كتابة مذكراته التي يسجّل فيها تحديداً شعوره بالامتنان تجاه الآخرين. فقد كان يعبّر عن شكره للناس الذي كانوا يغيّرون شراشف سريره. كما كان ممتنّاً أيضاً لعائلته التي كانت تحضر له وجبات الطعام اللذيذة الساخنة في المساء. وكان يُعربُ عن شكره وامتنانه للممرّض الذي كان يشجّعه، ولأعضاء فريق المعالجة الفيزيائية الذين كانوا يمنحونه وقتاً إضافياً من حياتهم الخاصّة، فقد أخبروه ذات مرّة بأنّهم لم يكونوا ليقضوا معه وقتاً إضافياً، لولا أنهم كانوا يعلمون كم هو ممتنٌّ لهم على جهودهم المبذولة.

لقد طلب منّي جيم أن أشاركه مساعيه هذه، وبما أنّني كنت أتشوّق إلى مساعدته على الشفاء من مرضه، وأرى مدى صعوبة الأمر بالنسبة له، فقد حاولت وبكلّ ما أملك من قوّة بأن أكون إيجابية كلّما دخلت إلى عالمه في قلب غرفته في المستشفى. لم أكن في أفضل حالاتي على الدوام. وفي بعض الأحيان كنت أمتعض من فكرة أنني لم أكن قادرة على الانهيار – لكن بعد مرور فترة من الزمن، بدأت أرى كيف كان يتعافى بسرعة. ورغم أن طريقتينا في التعامل مع الأمر لم تكونا متطابقتين، إلا أننا كنّا ننجح في مساعينا. لقد كنت أتغيّر واقترب منه أكثر.

كان الأمر صادماً ومخيفاً، ولكن عندما خرج جيم من المستشفى على عكّازين (حيث رفض وبكلّ عناد استعمال الكرسي المتحرّك) بعد ستّة أسابيع فقط من نقله على وجه السرعة إلى غرفة الطوارئ في سيّارة إسعاف، قرّرنا بأنّ شفاءه لم يكن مسألة حظ فقط وبأنّ الأمر يحتاج إلى شيء أكثر من ذلك أيضاً.

واحد من الكتب التي أثّرت في جيم في مرحلة مبكّرة من مرضه كان كتاب “الازدهار” (Flourish) من تأليف الدكتور مارتن سيليغمان، عالم النفس والرئيس السابق للجمعية الأمريكية لعلم النفس. لقد كان سيليغمان هو المسؤول عن إطلاق مفهوم “بيرما” (PERMA) باللغة الإنكليزية ونشره، حيث شكّل هذا المفهوم أساساً للعديد من المشاريع البحثية التي درست علم النفس الإيجابي في أنحاء العالم. وكان هذا التعبير باللغة الإنكليزية عبارة عن كلمة منحوتة من الأحرف الخمسة الأولى لخمسة عناصر أساسية كفيلة بضمان القناعة الدائمة لدى الإنسان:
(P) العواطف الإيجابية: السلام، والامتنان، والسعادة، والإلهام، والأمل، والفضول المعرفي والحب، هي عناصر تقع كلّها ضمن فئة واحدة.
(E) التفاعل: الانغماس في مهمّة أو مشروع يمنحنا إحساساً “بتلاشي الزمن” لأنّنا نشعر بقدر هائل من التفاعل والانخراط يدفعنا إلى نسيان أنفسنا حتى.
(R) العلاقات: الناس الذين لديهم علاقات إيجابية وذات مغزى مع الآخرين يُعتبرون أكثر سعادة ممّن لا يمتلكون هذا النوع من العلاقات.
(M) المعنى أو المغزى: شعورنا بالمغزى في حياتنا يأتي من خدمة قضية أسمى منّا، سواء كانت هذه القضية هي الدين الذين نؤمن به، أو قضية تساعد الإنسانية جمعاء بشكل من الأشكال، فنحن جميعاً بحاجة إلى وجود معنىً معيّن في حياتنا.
(A) الإنجاز: لكي نشعر برضى كبير في حياتنا، فإننا يجب أن نسعى إلى تحسين حياتنا بطريقة ما.

قمنا باعتناق هذه العقائد الخمس في حياتنا ببطء وبالتدريج. فقد عاد جيم إلى جامعة وايلدفريد لورير لإجراء أبحاث في العلوم العصبية، كما قمنا فوراً بإنشاء موقع على الانترنت (www.plasticitylabs.com) لنساعد من خلاله في تعليم الآخرين ما تعلّمناه بخصوص السعي وراء السعادة. وبما أنّ حياتنا أنا وجيم باتت تشمل قدراً أكبر من التعاطف مع الآخرين، والامتنان، والمعنى، فقد تخلّيت عن الشعور بالحزن.

لذلك عندما أرى في الآونة الأخيرة أناساً يوجّهون سهام النقد والتشكيك نحو حركة علم النفس الإيجابي، فإنني أشعر وكأنّ النقد والتشكيك يطالانني شخصياً. وأتساءل: ما هي مشكلة هؤلاء النقاد مع الشعور بالامتنان؟ والعلاقات؟ والمغزى؟ والأمل؟

ربما يتمثّل جزء من المشكلة في أننا نفرط في تبسيط السعادة في ثقافتنا الشعبية ووسائل إعلامنا، الأمر الذي يجعل من السهل على البعض التخلّي عن الفكرة بوصفها غير واقعية. وقد عبّرت الدكتورة فانيسيا بوتي، التي تجري أبحاثاً في علم النفس الاجتماعي، عن الأمر بشكل جميل في رسالة إلكترونية أرسلتها لي حيث قالت:

“واحدة من التصوّرات الخاطئة الشائعة بخصوص السعادة هي أن السعادة تعني بأن يكون المرء مبتهجاً وفرحاً وقانعاً طوال الوقت؛ وبأن يرسم البسمة على وجهه على الدوام. لكن الأمر ليس كذلك. فسعادة المرء وعيشه لحياة غنية يرتبطان بقبول هذا المرء للسرّاء والضرّاء في حياته، وتعلّم كيفية التعامل بطريقة إيجابية مع الأشياء السلبية في الحياة. ففي بحث حديث بعنوان “التنوّع العاطفي والنظام العاطفي العام المحيط بنا”، وجد الباحث في جامعة هارفارد جوردي كويدباش، بأنّ إحساس الإنسان بمجموعة واسعة من العواطف – سواء الإيجابية أو السلبية – يقوده إلى وضع عقلي وجسدي إيجابي.”

إذن، نحن لا نميل إلى إساءة فهم معنى السعادة فحسب، بل إننا نميل أيضاً إلى السعي وراءها بطريقة خاطئة. وقد أخبرني شون آكور، الباحث والمدرّب لدى الشركات الكبرى، الذي ألف مقالة بعنوان “الذكاء الإيجابي” نُشرت سابقاً في هارفارد بزنس ريفيو، بأنّ معظم الناس ينظرون إلى السعادة بطريقة خاطئة. “أكبر التصوّرات الخاطئة تجاه السعادة هي أن السعادة غاية وليست وسيلة. فنحن نعتقد بأنّنا إذا حصلنا على ما نريد، فإننا سنكون سعداء. لكن الذي تبيّن هو أنّ أدمغتنا تعمل فعلياً في الاتجاه المعاكس.”

وتوافقه فانيسيا بوتي الرأي قائلة: “نميل أحياناً إلى النظر إلى “حالة السعادة” بوصفها الهدف النهائي، لكننا ننسى بأنّ الجزء الهام فعلياً هو الرحلة التي تقودنا إلى هدفنا؛ أي أن نعثر على الأشياء التي تجعلنا في أقصى درجات السعادة وأن ننخرط بشكل دائم في الأنشطة التي تساعدنا على أن نعيش حياة تحقق لنا قدراً أكبر من الإنجازات.”

بعبارة أخرى، نحن لا نكون سعداء عندما نطارد السعادة. بل نحن نكون في أسعد حالاتنا عندما لا نفكّر فيها، وإنما عندما نعيش اللحظة الراهنة لأننا غارقون في مشروع أو نشاط ذي معنىً ومغزى بالنسبة لنا، أو عندما نعمل على تحقيق هدف أسمى، أو عندما نساعد شخصاً يحتاج إلينا.

الإيجابية الصحّية لا تعني التستّر على مشاعرك الحقيقية. والسعادة ليست غياب المعاناة؛ بل هي القدرة على الخروج من حالة المعاناة هذه عند حصولها. كما أنّ السعادة تختلف عن المتعة أو النشوة الغامرة؛ فالسعادة تشمل الرضى والقناعة، والسلامة، والمرونة العاطفية التي تسمح باختبار مجموعة كاملة من العواطف. ففي شركتنا، على سبيل المثال، كان بعضنا قد واجه حالات من القلق والاكتئاب وتعامل معها. والبعض كان قد اختبر حالات اضطرابات ما بعد الصدمة. والبعض الآخر منّا كان قد شهد حصول أمراض نفسية شديدة في عائلته، في حين أنّ بعضنا الآخر لم يكن قد خبر هذا الشيء. وبالتالي نحن نتشارك مشاعرنا وقصننا علناً. أو قد لا نفعل ذلك. والأمران مقبولان ولا بأس بهما. ونحن لا نمانع في البكاء في المكتب، إذا كان الوضع يستدعي ذرف الدموع (سواء دموع الحزن أو دموع الفرح).

أمّا اليوم، وفي مسعى إلى النظر إلى الأمر من زاوية جديدة ربما، فقد ذهب البعض إلى القول حتّى بأنّ السعادة مؤذية. فالهدف من ممارسة التمارين التي تساعد على تحسين اللياقة الذهنية والعاطفية لا يعني أن تتعلّم اصطناع الابتسامة على وجهك أو أن تتغاضى عن مشاكلك وتتخيّل وكأنها لم تعد موجودة. وإنما الهدف منها هو أن تتعلّم كيف تتصدّى للعوامل المُسبّبة للشدّة والتوتّر بقدر أكبر من المرونة، تماماً كما لو أنّك لن تشارك في سباق للركض أو في الماراتون دون أن تتدرّب عليه مسبقاً.

خلال الوقت الذي قضيته أنا وجون في المستشفى، كنت أراقبه كيف كان يتغيّر. وقد أدركت في البداية وبشكل ضبابي، ولكن بعد ذلك فجأة ودفعة واحدة، بأنّ الامتنان والسعادة منحاني هدية عظيمة. لقد منحاني زوجي جيم. فإذا كانت السعادة مؤذية، فإنّني أقول عندئذٍ، يا أهلاً وسهلاً بها.

شاهد أيضاً

القرفة.. شجرة سريلانكية أصلية لها 15 فائدة

تأتي نبتة القرفة من أصلية في سريلانكا، وتزرع الآن في العديد من البلدان الاستوائية، بما …